المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بنيتي تقول : تبا لتلك الديار ولمثلها حضارة ...


خالد البشيري
04-Mar-2010, 08:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بنيتي تقول : تبا لتلك الديار ولمثلها حضارة (http://www.al-sham.net/1yabbse2/index.php?topic=1562.msg5590#msg5590)

خرج العبهول لنا اليوم بحكاية جديدة وعمل مشين في حق أمثاله ، لقد قرر أن يخرج أهل بيته من وكرهم ويخرج حبيبة قلبه من خدرها ، ويتجول بهم في أرض الله كبقية البشر يحملهم فوق ظهره الذي تكلست فقراته نتيجة الجمود والقعود ، خرج يبحث في الأرض التي تنطق الضاد ، فاختار زاوية حادة من هذا الجسد الممزق ، وجلس يروي لنا قصته معتقدا أنها تجربة لن تتكرر ثانية ، قال الحكيم عبهول :قدم لي مضيفي الكريم كوبا من الشاي المعمداني المعتق ، إلى جانب وردة جورية حمراء لازالت قطرات الندى ندية على وريقاتها التي تشبه إلى حد بعيد في عبيرها ورقتها وشفافيتها تلك الشهيدة النقية الطاهرة آيات التي سقت بدمائها الزكية الطاهر تربة الأقصى الشريف عزاَ وكرامة . ووضع لي صاحبي مع المعمداني طبقاَ من المكسرات التي لم يعجبني منها إلا الكاجو الذي أبتليت به كغيره من المنتجات المستجلبة من العم سام وهو ثمر غريب عن دياري ، معقوف في أوله غليظ في آخره كأنه مخلوق ممسوخ ، ربما استهجنه طائفة من بني قومي شكلا وطعماً أكثر من استهجانهم لبني صهيون الذين سفكوا الدم المتوضأ الطاهر، وأحلوا بموجب الصمت العربي والإسلامي والعالمي الثيب بقر بطون الأمهات في الأشهر الحرم ، وهدم البيوت الآمنة في عصر حقوق الإنسان .
كنت على سفح يطل على المدينة العظيمة ، أتوسط جملة من أشباه البشر مثلي ، كل واحد منشغل بما يشغله ، ثلة تتذكر الماضي فتقف على الأطلال ، وجملة تعيش الحاضر بأفراحه وأتراحه ، وقلة فقدت صوابها وعقلها ربما تفكر في المستقبل في ظل التعايش مع بني صهيون ، ومع أن صغاري من حولي يعبثون وأنيستي تجلس قبالتي وهي تحاول تقليد من حولها من الفاتنات في حركاتهن وتمايلهن ونظراتهن وابتساماتهن غير أني ما كنت لأبالي بها فقد أشغلت نفسي بما يتعب فكري ويكدر خاطري وهي راضية غير مبالية بغفلتي وشرودي في الوهلة الأولى ، لقد أعفتني عن شكرها على كل تلك الحركات المخفية لكونها غطت وجهها امتثالا لأمر خالقها ورأت أن السعي لرضا الرب هو خير المتاع وهو بلا شك سيرضي الخلق عنها ومنهم أنا بالفعل .ومن سفح الجبل، ومن بين تلك الحدائق الغناء أمعنت النظر في المدينة الجميلة ، أطل عليها من عل ، أنقل النظر بين أحيائها، فتمتزج في الشبكية كل ألوان الطيف وكل التناقضات ، هناك كان ابن عساكر يمتطي صهوة جواده فارسا ملثما ليمر بحارة الحنابلة فينجو بنفسه لخلاف فقهي ربما كان يسيراً ، وهناك الإمام القرطبي يمر وحوله جمهور عظيم من طلبة العلم يسألون ويدونون ، وهناك كان سجن شيخ الإسلام ابن تيمية ذاك العظيم الذي بهر بعلمه الفلاسفة المتكلمين وبصبره الجبابرة المتكبرين . أرى طلبة العلم قد التفوا حول سجنه يسجلون كل كلمة ينطق بها، وهناك الحمزاوي يجلس وهو يداعب ريشته في يده يبحث عن مرادفة مهملة بدل معجمة لتفسيره العظيم درر الأسرار (التفسير المهمل) ، وهناك أرى قوافل الحجيج قد أطلت بعد غياب طويل ،أسمع زغاريد الكواعب وتراحيب الأمهات تختلط البسمة بالدمعة ، أرى بينهم ابن عطية الأندلسي ، وأرى التلمساني بوجهه المنير ، والماوردي بحكمته وحنكته، والأدفوي بثوبه الصعيدي وقد أسدل الشال على كتفه سلطانا ..وغيرهم من أساطين العربية والشريعة وهناك وهناك ... نبهتني أنيستي اقصد من تقوم مقام كشاشة الذباب تكش خواطري كلما خطرت لي خاطرة أو دنت لتخطر مني ، فجميع خواطري عندها لا تستحق البقاء ولا الحياة ، ولا أعيبها حقيقة لكون الخاطرة أنثى ، والأنثى لا تطيق الأنثى، ظنت المخلوقة أن فارسها وربان سفينتها قد أبحر في نعوت الحسن والدلال والرقة والجمال وأنه بات يتنقل بين الكواعب من الصبايا المميلات . تنبهت للإشارة الأولى ارتشفت الشاي المعمداني الذي فقد حلاوته فذهبت مع أؤلئك العظماء .

عدت بنظري بعد أن ارتشفت رشفة أخرى أفرغت بها نصف الكوب ، وإذا بي أمام منظر آخر متغير ممسوخ ، ربما أعجب ثلة من بني قومي فقدوا الدين والحياء ، تتلمذوا على أيدي العابثين بمصير الأمة ،في زقاق ابن عساكر الذي كان محروسا بجنود الحنابلة تمر شقراء رشيقة تلاعب خصلات شعرها جيدها لتخالط أقراطها ، تجردت من حيائها قبل لباسها ،متجملة متكحلة متزينة ، كشفت من عوراتها أمام خلق الله ما تخجل بنات ابن عساكر من كشفها أمام أزواجهن ، وتمر ببرد وسلام من دون أن يتعرض لها جنود الحنابلة بأذى ، وهناك قرب معتقل ابن تيمية أرى مجموعات تشابكت بالأيدي يعلوها صراخ وعويل حسبته للوهلة الأولى نذير شؤوم وهو كذلك ، صبيان وصبايا ، شباب وشابات عجز وعجايز في هرج ومرج اختلط فيهم العظم باللحم ، والسليم بالقويم ، عفانا الله والسامعين ، وهناك في مجلس الحمزاوي جلسة انقلبت فيها كل الحروف العربية مهملة حتى الثاء فقدت النقاط الثلاثة التي كانت تزين هامته فاختلط بالباء والتاء وبالياء حالة الابتداء والتوسط . مجلس سكر وعربدة ، يصبح الديك فيه فيلا وتصبح الخنفساء قائدا عسكريا محنكا .وهناك أرى القوافل قد تغيرت وتبدلت ، قافلة من السياح تجتاح المدينة كاجتباح التتار والمغول ، اختلاط وسفور وغناء وطبل وزمر، وجوه مكفهرة مستنفرة ، قادمة من حظيرة الدولار واليورو ، نبهتني أنيستي حين لاحظت تكدر خاطري عدت إلى المعمداني الذي اكتسب برودة قارسة من الجو المحيط حتى غدا لا يصلح إلا لرجل من جنوب شرق أسيا وأنَّى لي أن أحصل على مستطيل قزم من تلك الديار فاستضيفه لارتشاف ما تبقى في الكوب ، ربما تمكنت لو أن الزمن كان قبل استقلال تيمور الشرقية الذي جاء عدلا وإنصافا ومساواة بمثيلاتها الشيشان وكشمير ومورو وكوسوفو والبوسنة وغيرها نتيجة عدل الأمم المتحدية المتردية ، أقصد الأمم المتحدة كما يدعون ...

تـباً لـها مـدنيةً ذهـبت ** بمـكارمِ الأخـلاقِ والأدبِ
في هـيرشيما خلَّفَت أثـرا ً ** هـيهات نـنساه مدى الحقب
مـن يخترع للحرب كان له ** ما شاء من مالٍ ومن رُتـَبِ
أمـا الـذي للسلم دعوتـه ** ولخـدمة الإنسان فهـو غبي


تنبهت وعزمت أن أسامر أنيستي ، وأنسى الماضي والحاضر . فالتفت لصغاري لأطمئن عليهم وإذا بصغيرتي قد جلست القرفصاء _ وهي جلسة لا أفضلها للصغار عموما لسر أعلمه _ مع (كربوجة) بيضاء مغنجة ، فطرق إلى سمعي صوت صغيرتي وهي تعبث التربة الندية بأناملها ، وتنظر مثلي في أجواء المدينة العظيمة التي طال ما تحدثت إليها وإلى أخوتها عن ماضيها المجيد ، والتي طال ما ذكرتهم بأمجادها الغابرة ، وزرعت فيهم حبها وحب من فيها ، فكم شوقتهم إلى مائها العذب الزلال ، وكم جعلتهم يتمنون العيش في ظلالها وعلى تربتها ، كم مرة أفهمتهم أنه قد خطَّ على تربتها عبارة صنع الإله المقتدر ! كم مرة أفصحت لهم عن عظمائها وعلمائها ، سمعت صغيرتي تقول لجليستها بصوت رقيق ناعم لمست بحديثها أوتار قلبي الحزين ، وفتقت جرحا ظننت أن الزمن قد تكفل ببرئه وشفائه ، قالت صغيرتي :تعرفين نحن نزور مكة ثلاث مرات في السنة لأداء العمرة ، نطوف بالكعبة ، ونصلي خلف المقام ، ونشرب زمزم ، ونستمع للسديس وهو يدوي بقول الحق عاليا فنهنأ بالصدى بين أرجاء المسجد الحرام ، نزور منى ونمر بمزدلفة وعرفات نرمي إبليس اللعين هناك كفانا الله شره .. قاطعتها الكربوجة البيضاء وقالت : هل تدرين أننا نحجز في السنة ثلاث حفلات الأولى في كازينو الشرق ، والثانية في مسرح المهد ، والثالثة في فندق سان جورج . فنقيم الليل كله إلى شروق الشمس على أنغام الموسيقى وتصدح نجوى وتغني سلوى نرقص على أنغام الأورك والبيانو ، تشرب أمي شرابها الأبيض حتى ترتفع ضحكاتها ، وفي الصباح يأتي العم جورج ليحملنا إلى شقتنا فنسلم أنفسنا لنوم عميق .
قالت صغيرتي : في المدرسة نرتدي المريال الرمادي ، ونقف طابور الصباح لتسمعنا إحدى الطالبات كلام الباري فنبدأ يومنا بذكر الله ثم بقول مأثور من رسول الله ، تعلمنا الأبلة التجويد ومخارج الحروف وصفاتها كما تعلمنا الغنة والترقيق والتفخيم ، وتمنع الأبلة عنا المشروبات الغازية حفاظا على صحتنا وتضامنا مع أمتنا ، وحين نريد الخروج بعد أن نؤدي صلاة الظهر جماعة تقف الأبلة الحبوبة لتنبهنا على ضرورة ارتداء الحجاب إمتثالا لأمر الخالق الباري ، ثم تقول لكل خارجة : كنت في رعاية الله ..
قالت البيضاء المغنجة : ونحن نرتدي المريال الزهري وهو خفيف على أجسادنا تغطي ما علا الركبة وما دون الصدر ، ليتسهل لنا الحركة ، وفي الطابور الصباحي تعزف الموسيقى النشيد الوطني ونردد خلفه بأنغامه وألحانه ، ثم تحية العلم نقف للعلم إجلالا وتعظيما ، ويقوم أستاذ الموسيقى بتعليمنا السلم الموسيقي
( دو ري مي فا صو لا سي دو ) ، وفرقة المسرح تعلمنا الرقص الشرقي والغربي ونتعلم إقامة الحفلات ، وإذا خرجنا ودعتنا المديرة قائلة: لا تنسي أن تستمعي إلى أغنيتك المفضلة قبل النوم. ثم تقول : باي
قالت صغيرتي وأشارت لامرأة تجلس على كرسي خلف الطاولة المجاورة : أهذه أمك ؟ قالت : نعم . قالت صغيرتي : وذاك الذي بجانبها والدك ؟ قالت :لا، هو صديق أمي . ثم أشارت البيضاء إلى بعيد وقالت : ذاك أبي بجانب تلك التي تسمع ضحكتها . قالت صغيرتي : ومن التي معه ؟! قالت البيضاء : صديقته . قالت صغيرتي : وهل لك أخوة ؟! قالت : نعم .وأشارت إلى طاولة ثالثة ، وقالت : ذاك أخي ماهر . قالت صغيرتي : ومع من هو ؟! قالت البيضاء : مع خالتي . قالت صغيرتي : ولم؟؟! قالت البيضاء : رفض صديق أمي أن يخرج معنا . ورفضت صديقة أبي أن يخرج معهم . فاضطر للخروج مع خالتي . . قفزت صغيرتي من مكانها وصاحت صيحة دوت في أرجاء الغابة : تبا لكم وللأبلات والهبلات اللواتي يقمن بتدريسكن وتعليمكن ليجعلن منكن مشردات ضائعات !! أين أنتن . أسر مشردة ممزقة ، روابط مهدمة ، ضياع وهلاك وعدم استقرار ، انتقال بين الأحضان ومع الخلان . ثم التفت إلي ورمت بنفسها إلى يدي تقبله وتحضنه وتقول : بارك الله فيكم من آباء ، قم يا سيدي الغالي للرحيل. قم إلى حيث كنا فننعم بساعة في ساحة المسجد الحرام ننهل زمزم ونقبل الحجر ونطوف ونسعى ، نسمع صوت الحق مدويا ، نركع ونسجد .. وتبا لهذه الديار وتبا لمثلها حضارة . .

أبو سعد
04-Mar-2010, 08:39 PM
قصه في قمة الروعه
ما اعظم ديننا
وما اقبح حضارتهم
يعطيك الف عافيه ابو الوليد

أبو نواف
05-Mar-2010, 08:36 PM
قصه جميله واهلا بعودتك يابن البشيري

خالد البشيري
10-Mar-2010, 11:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا أدري في الحقيقة كيف أشكركما ولكن :

جزاكما الله خيرا

لعلي أعطيتكما حقكما

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم / البشـــــــ خالد يـــــري

✿иσσfч
12-Mar-2010, 02:38 AM
يعطيك العافيه قصه رائعه .. كل الشكر